محمد بن محمد ابو شهبة
368
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
بما يتفق هو وعصمة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، إذ الكل مجمعون على أن ذلك لا يجوز أن يجري على لسان النبي لا عمدا ولا سهوا ، وقد نقل الحافظ ابن حجر في ذلك وجوها من التأويلات ، ذكر معظمها وردّها كما ردّها من سبقه ، ولم يرتض منها إلا هذا التأويل : وهو أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يرتل القران ترتيلا ، فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات ، ونطق بتلك الكلمات محاكيا نغمته ، فسمعها من دنا ، فظنه من قوله ، وأشاعها بين الناس قال : وهو الذي ارتضاه عياض وأبو بكر بن العربي واستحسناه « 1 » . وفي الحق أن الإمامين عياضا وابن العربي ينكران القصة نقلا وعقلا ، وإنما ارتضيا هذا التأويل على فرض تسليم الصحة ، وهو لون من ألوان الحجاج والتنزل مع الخصم ، ومن ثم نرى أنه لا يوجد من علماء الإسلام من يقول بظاهر القصة ، وأن القائلين بأن لها أصلا أوّلوها بما يوافق مقام النبوة . ردّي على المثبتين للقصة وإني لأجيب على ما ذكره الحافظ ابن حجر في « الفتح » وتابعه عليه السيوطي وغيره بما يأتي : 1 - إن جمهور المحدثين لم يحتجوا بالمرسل ، وجعلوه من قسم الضعيف لاحتمال أن يكون المحذوف غير صحابي ، وحينئذ يحتمل أن يكون ثقة أو غير ثقة ، وعلى الثاني فلا يؤمن أن يكون كذابا ، وقد قرر الإمام مسلم هذه الحقيقة في مقدمة صحيحه فقال : « والمرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة » وقال ابن الصلاح في مقدمته : « وما ذكرنا من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه هو الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث وتداولوه في تصانيفهم ، والاحتجاج به مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما - رحمهم اللّه - في طائفة « 2 » ، أما الشافعي فيحتج به بشروط ذكرها في رسالته ، وقد نقلها العراقي في شرح ألفيته وغيره .
--> ( 1 ) فتح الباري ج 8 ص 355 . ( 2 ) مقدمة ابن الصلاح ، ص 58 ، ط العلمية بحلب .